الشيخ محمد آصف المحسني
40
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الفائدة الخامسة في جواز التقليد الصورة الحاصلة في الذهن إما أن تتأثّر بها النفس من قبض أو بسط - وان كان خلافها ثابتا لدى العقل - أو لا ، والأول يسمّى تخييلا . وعلى الثاني فإما أن تكون نسبتها متساوية الطرفين بحيث لا يرجّح أحدهما على الآخر ، فتسمّى شكّا ، وإمّا أن لا تكون متساوية ، فإن لم يحصل القطع بأحد طرفيها تسمّى وهما إن كان الطرف مرجوحا ، وظنا ان كان راجحا ؛ وإن حصل القطع بأحد طرفيها فإن كان عدمها فهي كذب ، وإن كان وجودها فهي جزم ، فإن طابق الواقع فهو يقين إن لم يقبل التشكيك ، واعتقاد وتقليد إن قبله ؛ وان لم يطابق الواقع فهو جهل مركب . إذا تقرر هذا فنقول : المقدار اللازم في الاعتقاد بالمعارف هو الجزم ؛ إذ به يرتفع احتمال الضرر ، فلا يبقى حكم الفطرة بلزوم الفحص والنظر أبدا ، فإذا جزم بطرف فهو في مقام أمين طابق الواقع أم أخطأه قبل التشكيك أم لا ؛ ضرورة أن موافقة الواقع ليست أمرا اختياريا ، فاشتراطها - مع عدم الدليل عليه - هدم للقواعد المقررة عند العدلية . وليس الطلب يستلزم الوصول في كلّ مورد ، فإذا خالف الواقع قصورا لا شيء عليه ابدا ، وسيأتي مزيد إيضاح للمقام ، كما أن احتمال اعتبار نفي قبول التشكيك موهون بعدم الدليل عليه ، بل الدليل على خلافه كما يظهر ممّا مر . وأما الاكتفاء بالظن مطلقا كما حكي « 1 » عن المحقق الطوسي والمقدس الأردبيلي وصاحب المدارك والشيخ البهائي والعلامة المجلسي والمحدث الكاشاني وغيرهم قدس اللّه أسرارهم ، أو بالظن الناشئ من النظر والاستدلال كما نسب إلى بعض ، أو من الأخبار الآحاد كما نقل عن غفلة أصحاب الحديث ، أو من التقليد مع كون النظر واجبا مستقلا لكن تركه معفو عنه ، فهو مما نطق الدليل المتقدّم على خلافه كما دريت . فالمتحصّل : أن القولين المتقدّمين - اعتبار اليقين المصطلح ، وكفاية الظن ولو مع التمكّن من تحصيل الجزم - في طرفي الافراط والتفريط ، وخير الأمور أوساطها .
--> ( 1 ) القوانين 2 / 175 ، ورسائل الشيخ الأعظم الأنصاري 2 / 302 .